₡ يــــا من سكـــن فؤادى ₡Ϡღ .... الحلقة الثانية والاربعون

Leave a Comment





كنتُ فى حالة ذهول و أنا أرى طاهر يضرب هانى الذى خر أرضاً و أستسلم تماماً لطاهر !و



أخيراً أنتزعتُ نفسى من ذهولى و أخذتُ أدفع طاهر ليبتعد عن هانى قائله :



" يكفى هذا . . أبتعد عنه . . دعه . . ستقتله . "طاهر كان رافعاً يده ليسدد المزيد من الضربات إلى هانى ، فتوقفت يده فى منتصف الطريق ، و أبتعد عن هانى . .أنحنيتُ بجانب هانى و أخذتُ أساعده لينهض ، و غادرنا القاعه و توجهنا معاً إلى سيارته ، بيبنما أخذ طاهر يشيعنا بنظراته . .أستقلينا السياره و أنطلق هانى بأقصى سرعه و هو يصرخ بى :



" اللعنه عليكِ يا ساره . . لماذا تفعلين هذا بى ؟ ماذا بطاهر أكثر منى ؟ لماذا تحبينه هو و لا تحبيننى ؟ لماذا ؟ أ لأننى أحببتكِ بصدق و بالغتُ فى مشاعرى نحوك مللتِ منى ؟ أجيبينى . . أهذا جزاء كل من يحبك ؟ "كنتُ أبكى بحرقه و أضع يدى على و جههى دون أن أجيبه ، فصرخ بى هانى :" ردى علىّ يا ساره . . إننى أتحدث إليك . "و أيضاً هذه المره لم أجيبه ، فإذا بيد هانى تمتد لينزع يدى عن وجهى قائلاً :" قلتُ لكِ ردى علىّ . . ألا تسمعين ؟ "و حين أبعدتُ يدى عن وجهى رأيتُ السياره و هى تنحرف بشده و تصطدم بإحدى الأعمده بعنف !و أظلمت الدنيا تماماً.****************



بعدما أنصرف هانى و ساره ، أستقليتُ سيارتى وأنصرفتُ بدورى . .لن أتحدث عما حدث لأننى حتى الأن أعجز عن أدراكه و تصديقه . .لقد كان هانى هو أقرب صديق إلىّ . . و بالطبع لم يكن سهلاً ابداً علىّ أن أشعر بمدى الكره الذى صار يكنه لى . . و لم يكن سهلاً أيضاً أن أتلقى اللكمات من اليد التى كانت تربت على كتفى فى أصعب اللحظات . . و لم يكن سهلاً أيضاً أن أسدد الضربات بيدى إلى صديقى هانى الذى كنتُ و لازلتُ أعتبره أخى . .لستُ أدرى كيف حدث هذا بأكمله ؟ ! و كيف تمكن هانى من ضربى على هذا النحو ؟ بل و كيف تمكنت أنا من ضرب أقرب صديق لى ؟ !أفقتُ من شرودى على صدمه لا تماثلها صدمه ، حين رأيت سيارة هانى قد أصطدمت بإحدى أعمدة النور بعنف مما يوحى بأن كان يسير بسرعه جنونيه !توقفت بجانب السياره و هرولت متجهاً نحو السياره بهلع ، فوجدت ساره و هانى و قد فقدا وعيهما تماماً . .و لم أشعر إلا بيدى وهى تسعفنى لأفتح الباب المجاور لمقعد هانى - و الذى كان الأقرب لى - لأنتزعه من خلف عجلة القياده و أضعه بسيارتى ، ثم أعود إلى السياره لأحمل ساره و أضعها بجانب هانى ، و أنطلق بسيارتى ، بل و أطير بها إلى أقرب مُستشفى . .حين وصلتُ إلى المستشفى حملت ساره أولاً و أدخلتها إلى المستشفى و تركت فريق الأسعاف يهتم بها ، ثم طلبت من إحدى العاملين بالمستشفى أن يأتون لمساعدتى بحمل هانى من السياره و ذهبنا سوياً إلى سيارتى لنحمل هانى . .و كما أهتم فريق الأسعاف بساره



، فقد أهتموا أيضاً بهانى و هرعوا به إلى حجرة الفحص ، و بعد فتره غادر الطبيب الحجره ، فهرولت إليه و سألته عن حالهما فأخبرنى بما قضى علىّ تماماً . .فقد أخبرنى بأن ساره لديها كسر بالجمجمه و تحتاج إلى جراحه عاجله ، أما هانى فلا يوجد به أى كسور ظاهره لكنه يشك بحدوث نزيف داخلى له . .ظللتُ لفتره أحدق بالطبيب ببلاهه و أنا عاجز عن تصديق كل هذا . . لقد كنا معاً منذ ساعه واحده و كانا الأثنان بخير . .لا . . لا أصدق ما أنا فيه . . يا رب لطفك . . يا رب سترك . ." هل أنت قريبهما ؟ "سألنى الطبيب فأجبتُ بشرود : " أجل . "فقال :



" أذن لابد أن توقع على موافقه لأجراء الجراحه لها . . "أنتبهتُ حينئذ لما قاله ، فقلتُ :



" أنا لا اقرب لهما . . إنهما . . . أصدقائى . . أقصد . . صديقى و زوجته . "الطبيب قال :



" أذن أتصل بأهل الفتاه و أجعلهم يأتون بسرعه ليوقع أحدهم على الموافقه ؛ فإن التأخير ليس فى مصلحتها . "لم أكن أعرف أحداً من أقارب ساره سوى أبنة خالتها و خالتها اللتان ألتقيتُ بهما فى حفل عقد قرانهما ، لكنى لا أعرف كيف أصل إليهما ؟ فأتصلتُ بوالدة هانى و طلبتُ منها أن تأتى هى لتوقع على الموافقه بصفتها أم زوجها . .كنتُ أذرع الممر المؤدى إلى حجرة الطوارئ ذهاباً و أياباً بتوتر ما مثله توتر . . و كلما غادرت إحدى الممرضات الحجره أهرع إليها و أسألها بشغف عن حالهما فتجيبنى بأسف بأنهما على ما هما عليه . .بعد قليل أتت أم هانى ، و لن أصف لكم حالتها لأننى لستُ قادراً على الوصف و لأنكم تعرفون كيف يكون شعور الأم و أبنها و زوجته بين الحياه و الموت ، كل ما سأخبركم به أنها وقعت على الموافقه ، و دخلت ساره إلى حجرة العمليات ،



بينما ظل هانى بحجرة الفحص ، فذهبنا إليه و وجدناه لازال غائباً عن الوعى . .ذرفنا الكثير من الدموع و نحن نراه ممداً على السرير بلا حول و لاقوه و الكدمات تشوه و جهه و جسده ، و الأجهزه تحيط به من كل جانب ، و كان صوت خفقات قلبه يصلنا عبر الجهاز و يقطع الصمت . .ظللنا على هذا الحال لساعات طويله مرت كأنها دهراً ، و أخيراً أتت إحدى الممرضات لتخبرنا بأن ساره غادرت حجرة العمليات و أنها فى العنايه المشدده و بأن حالتها غير مستقره .



.أم هانى ذهبت إلى حجرتها لتراها أما أنا فظللتُ مع هانى ، أنتظر أن يفيق و لسانى لا ينقطع عن الدعاء له و لساره . ." طاهر . "أنتفض جسدى بأكمله و نهضتُ من مكانى بقفزه واحده لأنظر إلى هانى الذى كان مُغلق العينان . .أمسكتُ بيده و قلتُ بشغف :" نعم يا هانى .. أنا بجانبك . "هانى فتح عيناه للحظه و عاد ليغلقهما ، ثم قال :" ساره . . "قلتُ أطمئنه :" إنها بخير . . لا تقلق عليها . "شد هانى على يدى و قال :" أعتنى بها و بـ ملك . "قلتُ :" ما هذا الكلام ؟ أنكِ ستصير بخير بإذن الله و ستعتنى بهما بنفسك . "هانى فتح عينيه و أبتسم لى إبتسامه واهنه ثم عاد ليغلق عينيه و تراخت يده على يدى وسقطت ، و أتى صوت الجهاز ليعلن عن توقف قلبه !



فى هذه اللحظه أندفع الأطباء إلى الغرفه و أمرونى بمغادرة الحجره ، من خلال اللوحه الزجاجيه الموضوع بالباب أستطعتُ أن أرى هانى وهو مستلقى على السرير و الأطباء حوله يحاولون أنعاشه . .دعوت الله . . و تضرعتُ إليه كى لا يجعلنى أفقد أقرب صديق إلىّ . .أرجوك يا رب . . لا تجعلنى أفقده ؛ فأنا لن أحتمل فقده هو أو ساره .



.يا رب أنت القادر على كل شئ . . أكتب لهما النجاه و سأبارك لهما على الزواج بنفسى . .نظرتُ إلى يداى اللتان كانتا تضربان هانى منذ قليل ، و تمنيتُ لو كانت يداى قد بُترت قبل أن تمس أعز صديق لدى بسوء . .تمنيتُ لو لم أولد و لم أؤذى أخى . .أنا السبب بكل ِ ما اصابهما . . أنا السبب . .يا رب خذنى إليك و لا تتركنى أعانى من عذاب الضمير هذا . .يا رب خذ من عمرى و أعطيهما . .*****************



يدان قويتان ، مفتولتان العضلات ، حملانى برفق و حذر ، و ضمانى إلى صدر ٍطالما أحتجتُ له . .



إنه طاهر حبيبى . . لا يمكن أن أخطأه أبداً ؛ فإن أرتجافة يدى و دقات قلبى المضطربه ، و عطره الرجولى ، أكدوا لى أنه هو طاهر . .





و لكن . . . كيف ؟ و أين ؟ و متى ؟ لا أدرى !





كل ما أعرفه أنه بقربى الأن ، بل إننى فى أحضانه و هو يركض بى بجنون و يصيح بقوه بكلمات لم أستطيع تمييزها رغم أرتفاع صوته ، حاولتُ أن أفتح عيناى لأستطلع الأمر و لكنى لم أقو على فتحهما !





و فجأه و بلا مقدمات أبعدنى طاهر عن صدره و وضعنى برفق على سرير ناعم ، و شعرتُ حينئذ بالسرير يتحرك و يجرى بى إلى مكان لا أعلمه ، أردت أن أصرخ و أنادى طاهر لكن صوتى أختنق بحلقى ، و لم تصدر عنى سوى صرخه مكتومه ترددت صداها بأعماقى . .





فى هذه اللحظه توقف السرير عن التحرك ، و شعرتُ بشى حاد يغرس فى زراعى ، و لم أعى شيئاً بعد ذلك . .







" متى ستفيق ؟ هل ستظل غائبه عن الوعى لفتره طويله ؟ "



كانت هذه هى أول عباره تسللت إلى مسامعى حين بدأتُ أستعيد و عيى ، و أستطعتُ أن أميز صوت صاحبتها و التى لم تكن سوى إيمان . .





أجبرتُ نفسى على فتح عيناى و ما أن فعلتُ حتى طالعنى وجه إيمان التى كانت تنظر إلىّ بقلق ، و وجه الطبيب الذى يقف بجانبى . .





فى البدايه تعجبتُ من الأمر و لم أتذكر ما حدث لأول وهله ، إلا أن الذكريات لم تلبث أن تدفقت إلى عقلى ، و ليتها ما تدفقت . . ليتنى فقدتُ ذاكرتى بأكملها . .



صرختُ فجأه :" هـــــــانى . . . "





إيمان ربتت على كتفى برفق و قالت :



" حمداً لله على سلامتك . . أأنتِ بخير ؟ "





عدتُ أصرخ :" أين هانى ؟ أين هو ؟ ردى علىّ . "





و قبل أن أسمع الأجابه غبتُ عن الوعى مجدداً . .





**************



بعد إجراء العمليه لساره بيوم أفاقت و سألت عن هانى ثم غابت عن الوعى تماماً و دخلت فى غيبوبه و الله أعلم متى ستستيقظ منها . .





الطبيب يقول أن العمليه كانت ناجحه و أن فقدانها للوعى نتيجة حاله نفسيه و ليس مرض عضوى ، حتى أن الجرح برأسها بدأ يلتأم بمرور الأيام حتى تلاشى أثره تماماً و ساره لازلت غائبه عن الوعى . .





أنا و أمى كنا نتناوب مرافقتها أثناء الليل ، و كنا نجرى لها بعض التمرينات و نقلبها من حين لأخر كى تتمكن من تحريك جميع أطرافها حين تفيق بإذن الله . .





أما طاهر فمنذ يوم الحادث و هو يلازم المستشفى و لا يغادرها إلا فى المساء بعدما أقنعه بصعوبه بأن يغادر المستشفى و يأتى فى صباح اليوم التالى . .





أعتقد أن طاهر يحب ساره بجنون ؛ فقد تدهورت حالته منذ يوم الحادث ، و فقد الكثير من وزنه ، و أطلق لحيته تماماً . .





بعد مرور شهر على إجراء العمليه لها فقدنا جميعاً الأمل فى أن تفيق ساره ذات يوم ، و فوضنا جميعاً أمرنا لله . .





و الحمد لله - الذى لا يحمد على مكروهٍ - سواه . .





*****************



يفيض الدمع من عينى كلما تطلعتُ من النافذه الزجاجيه و رأيتُ ساره و هى ممده على الفرش بلا حول و لا قوه و ذلك الأنبوب الدقيق موصل بأنفها و تلك الأجهزه تحيط بها من كل جانب . .





كلما رأيتها بهذا الشكل أشعر بخنجر حاد ينغرس فى قلبى و يقطعه أرباً أرباً ، و بأعصابى تتمزق عصباً عصباً ، و بقواى تنهار ، فأستند على الباب و أظل واقفاً برغم أن التعب قد نال منى فى خلال الأيام الماضيه التى قضيتها مرافقاً و ملازماً لها فى المستشفى . .





و حين ينتهى موعد الزياره تأتى الممرضه لتخبرنى بأن موعد الزياره قد أنتهى و تطلب منى أن أنصرف فأرفض الأنصراف و أظل واقفاً بمكانى أراقب ساره الغائبه عن الوعى و قلبى ينفطر لأجلها ، فتأتى " إيمان " أبنة خالة ساره و تقنعنى بالأنصراف و العوده فى صباح اليوم التالى ، فأنصرف بعدما أوصيها بأن تتصل بى كل نصف ساعه لتطمئنى على حالة ساره . .





و هكذا أعود إلى منزلى فى مساء كل يوم متعب ، و أنا أشعر بساقاى مُخدرتان من طول الوقوف أمام حجرة ساره ، فأغط فى نوم ٍ عميق أشبه بالغيوبه و أحلم أحلام كئيبه سوداء ، يتخللها الدموع و البكاء و الموت ، و أستيقظ فى صباح اليوم التالى لأذهب إلى المستشفى و أظل واقفاً أمام حجرة ساره أدعو و أتضرع إلى الله بأن تفيق و تصير بخير . .





يا رب . . يا أرحم الراحمين . . يا قادر على كل شئ . . أشفها و لا تجعلنى أفقدها ؛ فأنا لن أتحمل فقدها . .





مر شهر على دخول ساره فى الغيبوبه ، و إلى الأن لم تتحسن حالتها و الأطباء أعلنوا عجزهم عن تقديم المزيد لها . .





و نحن . . . صرنا نتخبط بين الأمل و اليأس . . و ننتظر أن تفيق ساره لتعيد لقلوبنا الحياه من جديد . .





و فى إحدى الأيام ، بينما كنتُ واقفاً أراقب ساره الممده على الفراش من النافذه ، أتت نهله من خلفى و ربتت على كتفى ، فألتفتُ لأنظر إليها للحظه ثم عدتُ لأنظر إلى ساره . .





" كيف حالها ؟ "





سألتنى نهله ، فتنهدتُ و قلتُ بأسى و أنا لازلتُ أنظر إلى ساره :





" على ما هى عليه . "





نهله ظلت صامته لثوانى قبل أن تقول :





" بأذن الله ستصير بخير . . لقد سمعت عن بعض الناس الذى فقد الأطباء الأمل فى حالتهم و كتبت لهم النجاه بإذن الله . "





أستدرتُ لأنظر إليها ، و تعلقت عيناى بها كتعلق الغريق بالقشه ، و أنتظرتُ أن تؤكد لى ما قالته ؛ فقد أحبطتُ تماماً فى خلال الأيام الماضيه ؛ لأن حالة ساره لم تحرز تقدماً حتى الأن ، إلا أن إيمان أبنة خالة ساره أقبلت لتصافح نهله و أنهكما فى الحديث و نسوا وجودى تماماً . .





عدتُ لأتطلع من جديد إلى ساره الممده على الفراش و الألم يعتصر قلبى . .





كم يؤلمنى منظرها كثيراً ! و كم أشعر بالعجز و أنا أراها بهذه الحاله و أعجز عن تقديم أى شئ لها !





ليتنى أستطيع أن أساعدها بأى شئ . . ليت مرضها كان عضوى لكنتُ تبرعتُ لها بما تشاء من أعضائى و لو كنت سأموت بعدها . .





لن أسامح نفسى أبداً لو أصابها مكروه لا قدر الله . .





بعد فتره أتت نهله لتخبرنى بأنها ستنصرف ، فقلتُ لها :





" فى أمان الله . . "





نهله سألتنى :





" و أنت . . ؟ ألن تنصرف ؟ "



قلتُ :



" لا . . ليس الأن . "



نهله قالت :



" لكن . . لم يتبق ِعلى موعد الأنصراف سوى ساعه واحده . "



قلتُ :





" و مع هذا سأبقى معها . . لن أستطيع أن أتركها . . لا أريدها أن تفيق و لا تجدنى بجانبها . "





نهله تنهدت و قالت :





" لكن وجودك من عدمه لن يفيدها بشئ . "



قلتُ بأصرار :



" لن أبرح مكانى حتى تفيق ساره . . أذهبى أنتِ يا نهله . "



إيمان تدخلت و قالت :



" نهله معها حق يا طاهر . . أذهب معها و إذا جد أى شئ سأخابركِ فى الهاتف لأطلعك على الأمر . "





قلتُ :





" لن أنصرف و سأظل واقفاً أراقبها حتى تفيق و تجدنى بجانبها ؛ فأنا واثق من أنها ستحتاجنى بجانبها حين تفيق . "





نهله همت بقول شئ ما ، إلا أنها صمتت و فغرت فاها فجأه و هى تحدق بمكان ما بذهول لا يماثله ذهول . .





توقف قلبى و أنا أراها تنظر إلى اللوح الزجاجى الذى يكشف ساره الممده على الفراش ، و ألتفتُ أنا و إيمان لننظر إلى ساره و هوت قلوبنا أرضاً . .





***************



ظللتُ لعدة ثوانى أنظر إلى ساره عبر اللوح الزجاجى الذى يفصلنا عن حجرتها وقد فتحتُ عيناى على وسعهما حتى كادا أن يخرجا من محجريهما من شدة ذهولى . .



أحقاً ما أراه الأن ، أم أننى تخيلتُ هذا ؟ هل فتحت ساره عيونها بالفعل أم أننى توهمتُ هذا ؟



حين نظرتُ إلى نهله وجدتها لازالت تنظر إلى ساره بذهول ، بينما كانت إيمان قد أنتزعت نفسها من دهشتها و ذهبت لتنادى الطبيب ، و لم تمضِ دقائق إلا و كانت إيمان قد عادت و معها الطبيب المعالج الذى أندفع بسرعه إلى حجرة ساره ، فأخذنا نراقبه و هو يفحص ساره إلى أن غادر الحجره فأقتربتُ منه و سألته عن ساره بلهفه ، فأبتسم قائلاً :



" الحمد لله . . كتبت لها النجاه بإذن الله . "



تهللت أسارير الجميع و فاضت الدموع من عيوننا جميعاً . .



الحمد لله . .



سألت إيمان الطبيب برجاء :



" هل تسمح لنا بالدخول إلى حجرتها ؟ "



و حين نظرتُ إلى الطبيب قرأتُ فى عيونه الأعتراض ، إلا أنه لم يلبث أن وافق على مضض و سمح لنا بالدخول إلى حجرتها لدقيقه واحده بعدما ألححنا على الدخول إلى حجرة ساره و الأطمئان عليها . .



حين دلفتُ إلى حجرتها ، توجهتُ مباشرة إلى سريرها و جلستُ على المقعد المجاور لها قائلاً :



" ساره . . أ أنتِ بخير ؟ "



ساره حركت عينيها و نظرت إلىّ ، إلا أنها لم تجيبنى ، فعدتُ أقول بلهفه :



" أجيبينى بالله عليكِ . . أ أنتِ بخير ؟ "



هذه المره لم ترد علىّ أيضاً ، إلا أنها حركت عينيها و أخذت تنظر فى وجوه الجميع ، و بدت كأنها تبحث عن شخص ٍ ما ، ثم تحركت شفتاها و قالت بصوت واهن ضعيف :



" هانى . "



توقف قلبى لدى سماعى لأسم هانى الذى نطقته ببساطه ، فنظرتُ إلى إيمان و نهله فوجدتهما يبعثران نظراتهم على الأرض و يتحاشون النظر إلى ساره ، فعدتُ لأنظر إلى ساره التى قالت :



" أين هانى ؟ أخبرونى أين هو ؟ "



و لما لم يجيبها أحدنا هذه المره أيضاً ، فوجئنا بها تدفع نفسها لتغادر السرير و تسقط على الأرض . .



هرع الجميع نحوها ، إلا أننى كنتُ أسرعهم فأنتشلتها من على الأرض و حملتها بسرعه و وضعتها على الفراش بينما أخذت ساره تصرخ بى . .



" دعنى . . أتركنى . . أين هانى ؟ أخبرونى أين هو ؟ ماذا فعلتم به ؟ "



نظرتُ إليها بأسى و قلتُ بنبره حزينه :



" البقاء لله . "



حينئذ ٍ صرخت ساره صرخه أهتزت لها جدران المستشفى بأكملها . .



" لاااااااااااااااا . . لااااااااااااااااااااا . . أنت كاذب . . هانى لم يمت . . لم يمت . . "



و للمره الثانيه أخذت تدفع نفسها لتغادر السرير إلا أن نهله و إيمان أسرعا إليها ليردعاها عن ذلك و ما كان منها سوى أن صاحت بهما قائله :



" دعانى . . أنا ذاهبه إليه بنفسى . "



و أخذت تحاول دفعهما و التحرك لكن بلا جدوى ، و لما يأست من قدرتها على الخلاص منا ، أخذت تبكى و تقول :



" نهله . . قولى أن هذا غير صحيح . . قولى أن هانى لم يمت . "



و لم يتمكن أياً منا فى هذه اللحظه من منع دموعه التى تدفقت فجأه و أخذت تنهمر بغزاره ، إلا أن ساره كانت أكثرنا حرقه . . و أنا . . . لا استطيع أن أحتمل رؤية دموع أحب مخلوقه إلى قلبى ؛ فإن دموعها تقطع نياط قلبى أرباً أرباً !



أقتربتُ من ساره و ربتُ على يدها قائلاً :



" هونى عليكِ يا ساره . "



إلا أن ساره صرخت بى فجأه :



" أبتعد عنى . . لا تلمسنى . . أنت السبب فى موته . . أنت الذى قتلته . . أنت الذى قتلته . . ليتك متت بدلاً منه . "



نهله تدخلت فى محاوله لأنهاء المشاده و تهدأت ساره ، إلا أن هذه الأخيره نهرتها قائله :



" أصمتى أنت . . أنكِ لا تعرفين شيئاً ؛ فأنتِ لم ترينه وهو يضرب هانى بوحشيه ليلة زفافك . . لقد كاد أن يقتله أو رُبما كان هو السبب فى موته بالفعل . . "



تسمرتُ فى مكانى بذهول و أنا أستمع إلى ساره التى لم تكتفى بهذه الجمله ، بل أنهالت علىّ بسيل من الكلمات الجارحه . .



" أخرج من هنا حالاً . . لا أريد أن أراك أيها القاتل . . أغرب عن وجهى . . أكرهك يا طاهر . .أكرهك . . أكرهك . . أكرهـــــــك . "



كلمات ساره أصابتنى كسهام قاتله فى صميم قلبى ، فأنسحبتُ مغادراً الحجره أجر أطرافى جراً و ألملم شتات نفسى ، و وقفتُ فى الدهليز المؤدى إلى حجرتها ، و أنا لا أكاد أصدق ما سمعت . .



لماذا يا ساره تقولين هذا ؟ لمـــاذا ؟



ألا تعرفين مدى حزنى على وفاة هانى ؟ ألا تدرين ماذا كان يعنى لى هانى ؟



لقد كان لى أكثر من صديق ، لقد كان أخى الذى لم تلده أمى ، و قد عانيتُ كثيراً الأيام الماضيه بعد وفاته خاصة حين كنتُ أراكِ ممده على الفراش بلا حول ولا قوه . .



ألم يكن الأجدر بكِ أن تواسينى و تدعمينى بدلاً من أن تقولين لى ما قلته ؟ !



بعد قليل غادرت نهله حجرة ساره و أتت إلىّ لتتفقد أحوالى ، فبادرتها بالسؤال :



" كيف صارت ؟ "



نهله قالت : " نامت . . "



و صمتت لوهله ثم قالت :



" كانت الصدمه قاسيه عليها . "



قلتُ مستاءً :



" الصدمه كانت قاسيه علينا جميعاً لكن لم يقول أحدنا ما قالته . . "



و صمتُ لبرهه ثم عدتُ أقول بأنفعال و عصبيه :



" كيف تقول لى أننى من قتله ؟ كيف ؟ لقد كان هانى أقرب صديق إلىّ . . "



نهله قالت :



" أعذرها يا طاهر . . أنها لا تدرى ماذا تقول . "



فى هذه اللحظه أقبلت إيمان و أعتذرت لى كثيراً على ما قالته ساره و ختمت كلامها قائله :



" لقد كانت تهذى بالتأكيد . . إنك لا تعرف كم تحبك ! "



قلتُ متهمكاً :



" تحبنى ؟ ! واضح جداً . "



لم تبد إيمان أنها قد أنتبهت لطريقتى الساخره ، فأمسكت بهاتفها و أتصلت بأم هانى و بأمها لتبشرهما . .



" ألن ننصرف ؟ "



سألتنى نهله ، فقلتُ بنبره حزينه :



" حسناً . . لننصرف . . فلم يعد هناك داعى لوجودنا . "



**************كان رد فعل ساره غريباً و أدهشنا جميعاً ، فما دخل طاهر فى وفاة هانى . .



لقد كان توفى هانى فى حادث قضاء و قدر ، و طاهر حتى لم يكن معهما بالسياره . . فلما تلقى ساره باللوم على طاهر ، و تحمله مسؤلية وفاة هانى ؟





هذا السؤال ظل يدور برأسى دون أن أجد له إجابه !





رُبما كانت ساره تهذى و لا تعى ما تقول . .





بلى . . لابد أنها كانت تهذى ؛ لا يمكن أن تكون قد عنت ما قالته . .





بعدما أنصرف طاهر و نهله ، تم نقل ساره من حجرة العنايه المشدده . .





الحمد لله على خروجها سالمه منها . .



كنتُ قد أتصلتُ بأمى و بأم هانى لأبشرهما بالأمر ، فأقبلت أم هانى إلى المستشفى أولاً ؛ لأنها تقيم بالقرب من المستشفى ، أما أمى فحضرت بعدها بقليل . .



ساره كانت قد أستيقظت حين حضرت أم هانى ، فأجهشا الأثنان فى بكاء ٍ مرير تقطع له قلبى ، و لم أشعر إلا بدموعى أنا الأخرى تنهمر . .





هانى كان شاب رائع ، و كان يحب ساره بجنون ، و قد حزنتُ كثيراً على وفاته . . لكنها إرادة الله عز و جل . .





و إنا لله و إنا إليه راجعون . .





فى الأيام التاليه كانت ساره عاجزه تماماً عن الحركه و كان الأطباء يجرون لها علاجاً طبيعياً لتتمكن من تحريك جميع أطرافها ؛ فقد ظلت ملازمه للفراش لفتره طويله و قد أثر هذا بشكل سلبى على أطرافها . .





ساره كانت مكتئبه كثيراً و لم تكن قد خرجت بعد من دائره حزنها ، فكنتُ أقنعها بصعوبه بالخضوع للعلاج الطبيبعى ، و كانت تقوم به كارهه . .





أما عن طاهر فمنذ ذلك اليوم الذى أفاقت به ساره و هو لم يأتِ إلى المستشفى !





و ساره لم تعد تأتى بذكره نهائياً ! ! !



و فى إحدى المرات ، أثناء حديث لنا ، ذكرت أسم طاهر فأنزعجت ساره كثيراً و قالت لى بحده :



" لا أريد أن أسمع هذا الأسم ثانيه . "





قلتُ لها معاتبه :



" لماذا يا ساره ؟ أليس هذا هو طاهر الذى تحبينه ؟ ماذا تغير الأن ؟ "





ساره قالت مُنفعله :



" تغير كل شئ . . كل شئ يا إيمان . . "





سألتها :



" أتقصدين أنكِ تمكنتِ أخيراً من نسيان حبه ؟ ! "





ساره قالت بعصبيه :



" بل أننى لم أعد أطيق رؤيته . . لقد تحول حبى له إلى كرهٍ شديد . "



تفاجأتُ من كلام ساره كثيراً ؛ فطالما كانت تعشق طاهر ، حتى بعد زواجها من هانى !



و كمحاوله أخيره لأستدراج عواطفها الحقيقيه نحوه ، قلتُ :



" لكنه لازال يحبك . . يل إنه يعشقكِ بجنون . . إنه لم يبرح المستشفى منذ يوم الحادث ، لقد كنتُ أقنعه بصعوبه بالمغادره حين ينتهى موعد الزيارات . "





بدت علامات التفكير واضحه على وجه ساره ، فتابعتُ :



" لم يكن يتوجب عليكِ أبداً أن تقولى له ما قلتيه . "





ساره تنهدت بأسى و قالت :



" لن أستطيع أن أسامحه يا إيمان . . إنه السبب فيما حدث هانى . . لولاه لكان هانى الأن حى يرزق . "



سألتها :



" كيف هذا ؟ ماذا فعل له لتقولين أنه السبب فى موته ؟ "



أخبرتنى ساره بأن هانى و طاهر تشاجرا فى حفل زفاف نهله بسببها و بأن هانى أنفعل كثيراً و كان يقود السياره و هو ثائراً و وقع الحادث و ختمت كلامها قائله :



" أرأيتِ أنه كان السبب فى موت هانى بالفعل ؟ ! "



قلتُ :



" أستغفر الله العظيم . . لا تقولى هذا الكلام . . إنها مشيئة الله يا ساره . . لقد كتب لهانى أن يموت فى هذه الساعه بالتحديد و بوجود طاهر من عدمه كان سيموت . "





ساره قالت :



" رُبما . . لكنه ضربه بعنف و وحشيه . . مسكين هانى . . "





قالت هذا و أنخرطت فى البكاء من جديد ، فاقتربتُ منها و طوقتها بزراعى قائله :



" يكفيكِ بكاءً يا ساره . . لقد زرفتِ الكثير من الدموع خلال الأيام الماضيه . "





ساره قالت بصوت أقرب إلى النحيب :



" كلما تذكرت هانى أشعر بوخز الضمير يا إيمان . .



أننى لم أعامله قط بطريقه جيده . . و منذ أن تم عقد قراننا و هو لم يسمع منى كلمه طيبه . .



لقد أحتملنى كثيراً و فعل الكثير ليكسب حبى إلا أننى كنتُ أهدر مشاعرى على من لا يستحقها . .



لقد ظلمته كثيراً و مهما حدث لن أسامح نفسى و لن أسامح طاهر على ما فعلناه به . .



ليتنى متت بدلاً منه ؛ فأنا أستحق الموت . .



يا رب خذنى إليك و لا تتركنى أعانى من عذاب الضمير . "





***************



ثلاثة أسابيع ، مروا منذ أن أفاقت ساره من الغيبوبه . .طاهر أخيراً عاد إلى العمل بالمكتب بعد أن توقف عن العمل منذ يوم الحادث و صار ملازماً لساره بالمسشتفى ينتظر بشوق أن تفيق من الغيبوبه لتجده بجانبه . .و ها هى ساره أفاقت من الغيبوبه و خذلت طاهر ، و الله وحده يعلم كيف صار حاله بعد ذلك اليوم . .أنا لا ألومها على ما قالته ؛ فهى حزينه على هانى رحمه الله ، لكن ما قالته كان قاسياً جداً على طاهر الذى يعشقها بجنون !طاهر منذ ذلك اليوم صار يتحاشى الحديث عن ساره بل و كلما ذكرتُ أسمها امامه يغير الموضوع بكل ِفظاظه !هل ممكن أن يتحول الحب إلى كره فى أيام معدوده ؟ !بل هل ممكن أن يتحول الحب إلى كره حتى بعد مائة عام ؟



فى إحدى الأيام ، بينما كنتُ جالسه بمكتبى أتى طاهر إلى حجرتى ليسألنى عن شئ بالعمل ، و لما أنتهينا من الحديث هم بمغادرة الحجره و ولانى ظهره و تقدم خطوتان ناحية الباب ، إلا أنه لم يلبث أن توقف و ألتفت إلىّ ، و بدا كأنه يريد أن يقول شيئاً ما . .سألته بأستغراب : " أهناك شئ ؟ "طاهر قال : " أجل . . . "قلتُ : " ما الأمر ؟ "طاهر قال بعد فتره : " لا شئ . "و هم بالأنصراف ، إلا أننى لم أكن لأتركه ينصرف هكذا بكل ِ بساطه !لقد بدا كأنه يريد أن يقول شيئاً ما ، إلا أنه أعاد النظر بالأمر و قرر أن يصمت . .و إن صح توقعى فإن لهذا الأمر علاقه بساره !أستوقفته قائله :" طاهر . . أهناك شئ ؟ "طاهر قال : " لا . . لا شئ . "قلتُ :" لكنك كنتُ تريد أن تقول شيئاً ما . "طاهر قال : " لا تكترثى . "لا أكترث ! !و فضولى هذا . . من يشبعه ؟ !حسناً . . إنه لن يخبرنى بالأمر إلا بعدما أنتزع الكلام من حلقه أنتزاعاً . .قلتُ مباشره :" أ كنت تريد أن تسأل عن ساره ؟ "طاهر بدا مُندهشاً للغايه ، و من عينيه عرفتُ أن توقعى كان صائباً ، فأبتسمتُ و قلتُ :" إنها بخير . "طاهر قال فجأه بعصبيه :" لكنى لم أسألك عنها . "قلتُ :" أعرف . . لكنى أخبرك بحالها ؛ فرُبما كان أمرها يهمك . "طاهر قال بعد فتره :" لا . . لم يعد أمرها يهمنى بتاتاً . . و من اليوم فصاعدا لا تأتى بذكر إسمها أمامى . " !****************



:كانت نهله تحتفل بولادة مولودها الأول " يوسف " ، و قد أقامت حفله بحديقة منزلها بهذه المناسبه ، و دعتنى لها . .



حاولتُ أن أعتذر لها عن الحضور و تحججتُ بعدة حجج واهيه ، إلا أنها لم تقبل عُذرى و أصرت على حضورى للحفل . .



و رغم أننى لم أكن أريد الحضور كى لا أرى طاهر ، إلا أننى لم أجد مفراً من ذلك ، و أضطررتُ للذهاب إلى الحفل على مضض . .



كانت الحفله رائعه ، و نهله كانت فى غاية الجمال بالرغم من أن وزنها قد أزداد قليلاً ، أما طفلها فكان يشبه عابد إلى حد كبير . .



حملتُ يوسف و قبلته و أخذتُ أهزه قليلاً و أداعبه و كان طفلاً جميلاً يصدر أصواتاً جميله . .





" أنتِ تحبين الأطفال يا ساره . . أليس كذلك ؟ "



سألتنى نهله بينما كنتُ أداعب يوسف ، فقلتُ :" طبعاً . . أننى أعشق الأطفال . "



نهله نظرت لى نظره ذات معنى و قالت :" ستكونين أماً حنوناً . "



و أبتسمت ثم تابعت قائله بخبث :" خاصة لو كان أبنكِ من الرجل الذى تحبينه . "



أربكنى تلميحها الصريح كثيراُ ، فأخذتُ أعبث بحجابى بتوتر و قلتُ :" و أين هذا الرجل ؟ لقد توفى هانى رحمه الله منذ عام كامل و هأنذا أمامك لا أدرى من سأتزوجه فيما بعد . "



نهله رفعت إحدى حاجبيها بخبث و قالت :" ساره . . تفهمين قصدى . . تكفيكِ مكابره و عناداً . "





و أبتسمت متابعه :" إنه لازال يحبكِ كثيراً . . "





و أضافت بجديه و هى تنظر إلى عينى مباشرة :" نصيحتى لكِ . . لا تتركيه يضيع منكِ ؛ لأنكِ لن تجدى من يحبكِ مثله . . "





فى هذه اللحظه أقبلت إحدى الفتيات لتصافح نهله . .فى البدايه لم أنتبه إلى أن تلك الفتاه لم تكن سوى نورا - شقيقة طاهر الصغرى - التى حضرتُ عيد ميلادها فى بداية معرفتى بطاهر ، إلا أننى حين أنتبهتُ لذلك أخذ قلبى يخفق بقوه . .



و للحظه خيل لى أن قلبى سيقفز من بين ضلوعى . .لا . . لم يُخيل لى . . لقد قفز قلبى بالفعل حين و قعت أنظارى على طاهر و أستقر بين كفيه بكل بساطه !كان طاهر يقف عند مدخل المنزل ، بقامته الفارعه ، و جسده المفتول العضلات ، و حضوره القوى ، و جاذبيته المعهوده ، و تأثيره المُميت علىّ !يا ألهى . . كم أشتقتُ إليه ! إننى لا أكاد أصدق أننى أراه ! لا أكاد أصدق أنه موجوداً بالقرب منى !تُرى هل أشتقت إلىّ مثلما أشتقتُ إليك يا طاهر ؟



لم يكن طاهر قد أنتبه لوجودى فقد كان يتحدث إلى فتاه ، و كانت الفتاه تنظر إليه بأعجاب فاضح !ترى من تكون هذه الفتاه ؟ هل يمكن أن تكون . . . . . خطيبته ؟هل تعتقدون هذا ؟و لما لا ؟ إننى لا أتوقع منه أن يقضى بقية عمره مُخلصاً لى ؛ فلابد أن أحب بعدى و رُبما خطب و تزوج أيضاً . .أنا لم أعد أستغرب أى شئ من أى شخص !



لم يكن طاهر واقفاً فى مواجهتى و كل ما أستطعتُ أن أراه منه كان جانب وجهه فحسب ، و مع هذا كان جسدى بأكمله يرتجف !و فجأه ، ألتفت طاهر و نظر إلى عينى مباشرة و كأنه كان يعرف أننى أراقبه منذ فتره !تجمدتُ بمكانى لدقائق ، و بقيتُ أنظر إليه و أنا غير قادره على الأشاحه بنظراتى عنه ، و خيل إلىّ للحظه بأن كل من حولنا قد تلاشوا فى الهواء و لم يتبق سواى أنا و طاهر . .



و فجأه أخذت المسافه بيننا تقصر ، إلى أن أصبحتُ أمامه مباشرة !لستُ أدرى كيف صار أمامى فجأه هكذا ؟ فأنا لم أتحرك من مكانى ، و لم أره و هو يسير بأتجاهى ؟ !نظرتُ حولى بحثاً عن نهله أو نورا أو أى شخص لكنى لم أجد بجوارى أحداً أعرفه ! !نظرتُ إلى يوسف الذى كنتُ أحمله على زراعاى فلم أجد أى أثر له هو أيضاً ! ! ! !



و كما وجدت طاهر أمامى فجأه ، فقد أختفى من أمامى فجأه !لا . . إنه لم يختفى من أمامى ؛ أنا التى أطلقتُ ساقاى للريح و غادرتُ المنزل بسرعه قبل أن يتمكن من اللحاق بى . .كنتُ أركض بسرعه و لا أعرف إلى أين تقودنى قدماى و مع هذا كنتُ لا أتوقف عن الركض . .كل ما كنتُ أفكر به هو الأبتعاد عن طاهر . . و بأقصى سرعه !



بعد فتره أصابنى التعب فتوقفتُ و أخذتُ أنظر حولى بأستغراب !ما هذا المكان ؟ و كيف وصلتُ إليه ؟بل السؤال هو . . كيف السبيل إلى العوده ؟



أستدرتُ هامه العوده من حيث أتيت . .و فجأه أصطدمت بجسد طويل القامه ، مفتول العضلات . . و من رائحة عطره عرفت من يكون ؟و من أرتجافة يدى و دقات قلبى أيقنتُ أنه طاهر حتى قبل أن أرفع بصرى لأرى وجهه ؟ !



فى لحظة جنون كدتُ أرتمى فى أحضانه . .كدتُ أخبره بأننى . . أشتقتُ إليه كثيراً ، و أننى . . . . لازالتُ مولعه به و لا أتمنى سواه !



" إلى أين تظنين نفسكِ ذاهبه ؟ هل فقدتِ صوابكِ ؟ ألا ترين أن الطريق مُظلم و موحش ؟ أتريدين أن تؤذى نفسك ؟ "

قال طاهر الجُمله السابقه بحده و قبض على زراعى بقوه ، فحاولتُ أن أحرر زراعى من يده إلا أننى لم أستطيع ، فقلتُ له ثائره :" دعنى . . أتركنى . . ما شأنك بى ؟ "





طاهر نظر إلىّ مصدوماً ، و سرعان ما توهج وجهه من شدة غضبه ، و صر على أسنانه قائلاً بغضب :" تعالى . . سأوصلكِ إلى منزلكِ . "





هذه المره تمكنتُ من سحب يدى من يده و قلتُ ثائره :" توصلنى إلى منزلى ! من تظن نفسك ؟ و كيف تجرؤ على الأمساك بيدى هكذا ؟ ! "





طاهر صر على أسنانه بغضب و رفع قبضته و كورها و هم بضربى !تراجعتُ بفزع و أنا أنظر إليه بذهول ، فإذا بيده تتجاوزنى لتهوى على سور إحدى المنازل بلكمه قويه كاد الجدار أن ينهار معها !





" لماذا تعامليننى هكذا ؟ ماذا فعلتُ لكِ ؟ ما الذنب الذى أرتكبته و تعاقبيننى عليه ؟ "





قال طاهر هذا بصوت أجش غاضب ، ثم أضاف :" أمازلتِ على عنادكِ ؟ ألم تعودى إلى رشدكِ بعد ؟ألم تدركى بعد أننى . . . . لستُ مسئولاً عما حدث ؟ "



جُملة طاهر الأخيره أعادتنى فجأه إلى يوم الحادث . .و خيل إلىّ أننى أرى هانى يقف أمامى و طاهر ينهال عليه باللكمات و يكومه أرضاً ثم يعود لينهال عليه بالضرب بمنتهى الوحشيه . .آلمتنى الذكرى كثيراً ، فأغلقتُ عينى و عصرتهما بقوه لأمحو صورة هانى من أمامى بلا جدوى !



" ساره . . "



فتحتُ عينى و نظرتُ إلى طاهر الذى كان ينظر إلىّ بقلق ، فما كان منى سوى أن رشقته بنظره حاده و قلتُ له بحده :" أذن . . من كان مسئولاً عما حدث إن لم يكن أنت ؟ ! "



طاهر قال ثائراً :" لقد كان حادثاً قضاء و قدر يمكن أن يحدث لأى شخص . "



و أضاف :" لا تجعلى حزنكِ على هانى يعميكِ عن رؤية الحقيقه التى هى جاليه أمامكِ . "



قلتُ مُنفعله :" و ليكن . . هذا لن يغير شيئاً . . لقد صار لكلٍ منا طريقه و أنتهى كل شئ . "





قلتُ ذلك ووليته ظهرى هامه الأبتعاد عنه ، فوصلنى صوته من خلفى و هو يقول :" لكنى أحبكِ . . . . . "



جمدتنى جُملته الأخيره بمكانى و راح قلبى يخفق بكل قوته و سمعتُ طاهر يتابع بصوت حزين :" لا تكونى قاسيه يا ساره . . لقد تعذبتُ بما فيه الكفايه طوال العام الماضى و أريد أن أرتاح . .أخبرينى ماذا أفعل لتصفحين عنى ؟ ماذا أفعل لـ . . . . لتعودى إلىّ ؟ "



و أضاف متوسلاً :" لا تعذبيننى أكثر من هذا و دعينا نعود من جديد و نلقى بالماضى خلف ظهرنا . . "



و شعرتُ به يقترب منى و أنفاسه تلفح حجابى و هو يقول :" ساره أنا . . لا أتخيل أن أعيش بدونكِ . . و لا أتخيل أن تكونى لغيرى . .ساره أنا . . . أحبكِ . "



ظللتُ لفتره واقفه مُسمره بمكانى و دموعى تنهمر بغزاره على وجنتاى . . و لا أعرف ماذا أفعل و ماذا أقول ؟و بينما كنتُ فى ذلك شعرتُ بيد طاهر تلمس زراعى من الخلف ليديرنى لأواجهه . .للحظه تلاقت عيوننا و تعانقت عناق أعجز عن وصفه . . و تعجزون أنتم عن تخيله !و شعرتُ بجسدى ينصهر و يذوب و كأننى شمعه مُشتعله . .



" أمازلتِ تحبيننى ؟ "



سألنى طاهر و هو ينظر إلى عينى مباشرة و كأنه يريد أن يقرأ موافقتى فى عينى قبل أن انطق بها . .أتسألنى إذا كنت مازلتُ أحبك ؟أتظن أننى قادره على نسيان حبك مهما طال بى الدهر ؟ألا تشعر بدقات قلبى ؟ ألا تحس بأنفاسى تختنق ؟ألا ترى كيف أرتجف ؟ ألا ترى دموعى ؟



" أمازلتِ تحبيننى يا ساره ؟ "



عاد طاهر يسألنى بلهفه و قلق و ترقب ، و لستُ أدرى كيف خرجت الكلمات من بين شفتاى ؟



" لماذا تركتنى أتزوج من هانى ؟ لماذا تركتنى أعانى كل هذا الوقت ؟ لماذا لم تخبره بأننى كنتُ أحبك أنت لا هو ؟لماذا فعلت بنا هذا ؟ لماذا ؟ لماذا ؟ لماذا ؟ "



قلتُ ذلك و غطيتُ وجهى بكلتا يدى و أجهشتُ فى بكاءً مرير . .



" لقد دمرنا حياته و تسببنا فى موته . . كيف أسامح نفسى على هذا يا طاهر ؟ كيف ؟ "



أزاح طاهر يدى عن وجهى و قال :" لم يكن لأحدنا ذنباً فيما حدث يا ساره . . كل ما حدث كان رغماً عن أرادتى و أردتكِ . . إنها مشيئة الله . . "





و أضاف متوسلاً :" سامحينى يا ساره لأننى . . . . كنتُ السبب فيما حدث ، و لأننى . . لم أعرفكِ على حقيقتكِ و ظننتُ بكِ سوءاً . "



و جفف لى دموعى بيده ثم قال و على زواية فمه شبه إبتسامه :" لن أسمح لدموعكِ هذه بأن تراق مرة أخرى . "





و صمت لبرهه ثم قال :" حبيبتى . . هل تتزوجيننى ؟ "





*****************

0 التعليقات:

إرسال تعليق

اكتب تعليقك هنا

المتابعون